محمد هادي معرفة
270
التفسير الأثري الجامع
الخير والجهاد في سبيله إذا لم يتحقّق في الأرض أو لم يلق جزاءه . ولا قلق على الأجر إذا لم يوفّ في هذه العاجلة بمقاييس الناس ، فسوف يوفّاه بميزان اللّه . ولا قنوط من العدل إذا توزّعت الحظوظ في الرحلة القصيرة على غير ما يريد ، فالعدل لا بدّ واقع . وما اللّه يريد ظلما للعباد . والاعتقاد بالآخرة حاجز كذلك دون الصراع المجنون المحموم الّذي تداس فيه القيم وتداس فيه الحرمات . بلا تحرّج ولا حياء . فهناك الآخرة فيها عطاء ، وفيها غناء ، وفيها عوض عمّا يفوت . وهذا التصوّر من شأنه أن يفيض السّلام على مجال السباق والمنافسة ؛ وأن يخلع التجمّل على حركات المتسابقين ؛ وأن يخفّف السعار الّذي ينطلق من الشعور بأنّ الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذا العمر القصير المحدود ! ومعرفة المؤمن بأنّ غاية الوجود الإنساني هي العبادة ، وأنّه مخلوق ليعبد اللّه . من شأنها - ولا شكّ - أن ترفعه إلى هذا الأفق الوضيء . ترفع شعوره وضميره ، وترفع نشاطه وعمله ، وتنظّف وسائله وأدواته . فهو يريد العبادة بنشاطه وعمله ؛ وهو يريد العبادة بكسبه وإنفاقه ؛ وهو يريد العبادة بالخلافة في الأرض وتحقيق منهج اللّه فيها . فأولى به ألّا يغدر ولا يفجر ؛ وأولى به ألّا يغشّ ولا يخدع ؛ وأولى به ألّا يطغى ولا يتجبّر ؛ وأولى به ألّا يستخدم أداة مدنّسة ولا وسيلة خسيسة . وأولى به كذلك ألّا يستعجل المراحل ، وألّا يعتسف الطريق ، وألّا يركب الصعب من الأمور . فهو بالغ هدفه من العبادة بالنيّة الخالصة والعمل الدائب في حدود الطاقة . ومن شأن هذا كلّه ألّا تثور في نفسه المخاوف والمطامع ، وألّا يستبدّ به القلق في أيّة مرحلة من مراحل الطريق . فهو يعبد في كلّ خطوة ؛ وهو يحقّق غاية وجوده في كلّ خطرة . وهو يرتقي صعدا إلى اللّه في كلّ نشاط وفي كلّ مجال . وشعور المؤمن بأنّه يمضي مع قدر اللّه ، في طاعة اللّه ، لتحقيق إرادة اللّه . وما يسكبه هذا الشعور في روحه من الطمأنينة والسّلام والاستقرار ؛ والمضيّ في الطريق بلا حيرة ولا قلق ولا سخط على العقبات والمشاقّ ؛ وبلا قنوط من عون اللّه ومدده ؛ وبلا خوف من ضلال القصد أو ضياع الجزاء . ومن ثمّ يحسّ بالسلام في روحه حتّى وهو يقاتل أعداء اللّه وأعداءه . فهو إنّما يقاتل للّه ، وفي سبيل اللّه ، ولإعلاء كلمة اللّه ؛ ولا يقاتل لجاه أو مغنم أو نزوة أو عرض مّا من أعراض هذه الحياة . وكذلك شعوره بأنّه يمضي على سنّة اللّه مع هذا الكون كلّه . قانونه قانونه ، ووجهته وجهته . فلا